صديق الحسيني القنوجي البخاري

234

فتح البيان في مقاصد القرآن

من الأحكام الشرعية ، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد اقتضاء حكم ، وقيل المعنى يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به ، وقيل يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذكم بما يصدر منكم ، قال قتادة يعفو عن كثير من الذنوب . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ جملة مستأنفة مشتملة على بيان أن محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم قد تضمنت بعثته فوائد غير ما تقدم من مجرد البيان ، قال الزجاج النور محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل الإسلام ، والكتاب المبين القرآن فإنه المبين . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 16 إلى 17 ] يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) والضمير في يَهْدِي بِهِ اللَّهُ راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشئ الواحد مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي ما رضيه وهو دين الإسلام سُبُلَ السَّلامِ طرق السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة ، وقيل المراد بالسلام الإسلام ، وعن السدي قال سبيل السلام هي سبيل اللّه الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وبعث به رسله وهو الإسلام . وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ أي الكفر إِلَى النُّورِ أي إلى الإسلام وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إلى طريق يتوصلون بها إلى الحق لا عوج فيها ولا مخافة ، وهذه الهداية غير الهداية إلى سبل السلام وإنما عطفت عليها تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ ضمير الفصل يفيد الحصر الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قيل وقد قال بذلك بعض طوائف النصارى ، وقال ابن عباس : هؤلاء نصارى نجران وهو مذهب اليعقوبية والملكانية من النصارى ، وقيل لم يقل به أحد منهم ولكن استلزم قولهم إن اللّه هو المسيح لا غيره وقد تقدم في آخر سورة النساء ما يكفي ويغني عن التكرار . قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والملك الضبط والحفظ والقدرة من قولهم ملكت على فلان أمره أي قدرت عليه أي فمن يقدر أن يمنع . إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك فلا إله إلا اللّه ولا ربّ غيره ولا معبود بحق سواه ، ولو كان المسيح إلها كما يزعم